ابن أبي مخرمة
495
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
الدائرة على بني حفيص ، قتل منهم أكثر من أربع مائة قتيل ، وانهزموا ، ثم دخل المنصور إلى زبيد وصحبه الشيخ يوسف ، ثم طلعا إلى تعز « 1 » . وفي شهر ربيع الآخر منها : حصل في اليمن غلاء عظيم ، واستدام إلى سنة ست ، واشتد في جمادى الآخرة منها ، وعمّ زبيد وتعز وعدن وصنعاء وصعدة والشحر ومقدشوه وزيلع وبر سعد الدين ، واشتد بزيلع وبرّها ، وعدم الطعام بها أياما حتى أكلوا الجلود ، وتعب الناس لذلك ، وماتوا موتا ذريعا ، وغاية الغلاء الذي حصل بعدن بلغ قيمة الزيدي الذرة أربعة دنانير ، والمكيال العدني ثلاثين دينارا ، ورآه الناس غلاء عظيما . وأمر شيخنا القاضي جمال الدين محمد بن حسين القماط الناس بالاستسقاء ، ونادى فيهم بصيام ثلاثة أيام ، ويخرجون صبح الرابع صائمين ، وأمرهم بالتوبة والخروج من المظالم ، فامتثلوا ، وخرجوا في اليوم الرابع صائمين إلى حقات ، وصلوا صلاة الاستسقاء ، وخطب بهم الخطيب خطبة بليغة ، ثم صبر أياما ، وأمر الناس بالصيام والخروج ثانيا إلى حقات لصلاة الاستسقاء ، وندب التجار إلى إخراج شيء على سبيل الصدقة ، فأجابوه إلى ذلك ، وسلم كل واحد على ما قدره اللّه له ، فاشترى به القاضي طعاما وغنما وبقرا ، ومدّ سماطا للفقراء بحقات بعد انصراف الناس من صلاة الاستسقاء ، فحصل المطر في ذلك اليوم في البلد ، ثم حصل عقب ذلك أمطار كثيرة وسيول عظيمة بوادي لحج وبوادي زبيد تفجرت منه الأعين ، وزاد زيادة بالغة ، ونزل سعر الطعام ، فبلغ المكيال بعدن عشرين دينارا ، ثم نزل إلى ثمانية عشر دينارا ، ثم إلى خمسة عشر دينارا فضة ، واستمر على ذلك مدة إلى سنة ست ، ثم لم يزل السعر يرخص حتى بلغ المكيال العدني ستة دنانير ، فلله الحمد والمنة « 2 » . وفي آخر هذه السنة : حج سلطان الديار المصرية الملك الأشرف قايتباي ، سار من مصر بعد مسير الحاج بأيام في خمس مائة راحلة متجردا للحج ، ولم يعلم الحاج بمخرجه ، فحج وزار المدينة الشريفة ، وأمر الناظر بفتح حاصل الحرم النبوي ، ففتحه له ، فحمل ما وجد فيه من الذهب والفضة من قناديل وغيرها ، وعزم به صحبته إلى مصر ، فلامه الناس في ذلك ، ولم يعلموا ما قصد بذلك ، فلما وصل إلى مصر . . اشترى بذلك أراضي مزدرعة بمصر ؛ لتحمل غلتها كل سنة إلى أهل المدينة ، ويقسّم على من بها من صغير وكبير وذكر
--> ( 1 ) « بغية المستفيد » ( ص 156 ) . ( 2 ) « بغية المستفيد » ( ص 157 ) .